العيني

103

عمدة القاري

يوم أحد . قال : فاستقبل سعد بن معاذ ، فقال له أنس : يا أبا عمرو أين ؟ واها لريح الجنة أجده دون أحد . قال : فقاتلهم حتى قتل ، قال : فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية . قال : فقالت أخته ، عمتي الربيع بنت النضر ، فما عرفت أخي إلاَّ ببنانه ، ونزلت هذه الآية * ( رجال صدقوا ) * ( الأحزاب : 32 ) . الآية . قال : وكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه . وأخرجه الترمذي والنسائي أيضاً . ذكر معناه : قوله : ( غاب عمي أنس بن النضر ) ، قد مر في رواية مسلم : قال أنس : غاب عمي الذي سميت به ، والنضر بالنون والضاد المعجمة . قوله : ( أول قتال ) ، لأن غزوة بدر هي أول غزوة غزا فيها رسول الله ، صلى الله عليه وسلم بنفسه ، وهي في السنة الثانية من الهجرة . قوله : ( لئن الله أشهدني ) أي : أحضرني ، واللام في : لئن ، مفتوحة دخلت على أن الشرطية لا جزاء له ، لفظاً ، وحذف فعل الشرط فيه من الواجبات ، والتقدير : لئن أشهدني الله . . . قوله : ( قتال المشركين ) ، منصوب بقوله : أشهدني ، قوله : ( ليرين الله ) ، جواب القسم المقدر ، لأن اللام للقسم ونون التأكيد فيه ثقيلة وما قبلها مفتوحة ، وفي رواية مسلم : ( ليريني الله ) كما مر ، وفي رواية : ليراني الله ، بالألف . وفي ( التلويج ) : وضبط أيضاً بضم الياء وكسر الراء ، ومعناه : ليرين الله الناس ما أصنع ويبرزه لهم . وقال القرطبي : كأنه ألزم نفسه إلزاماً مؤكداً ، ولم يظهره مخافة ما يتوقع من التقصير في ذلك ، ويؤيده ما في مسلم فهاب أن يقول غيره ، ولذلك سماه الله عهداً ، بقوله : * ( صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) * ( الأحزاب : 32 ) . وفي رواية الترمذي كرواية البخاري . قوله : ( ما أصنع ) ، قال بعضهم : أعربه النووي : بدلاً من ضمير المتكلم . قلت : هذا لا يصح إلاَّ في رواية مسلم ، وأما في رواية البخاري فهو منصوب على المفعولية ، وهذا القائل لم يميز بين الروايتين في الإعراب ، فربما يضان الناظر في رواية البخاري أن ما قاله النووي فيها ، وليس ذلك إلاَّ في رواية مسلم . فافهم . قوله : ( وانكشف المسلمون ) ، وفي رواية الإسماعيلي : وانهزم الناس . قوله : ( أعتذر ) أي : من فرار المسلمين . قوله : ( وأبرأ ) ، أي : عن قتال المشركين مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . قوله : ( فاستقبله ) ، أي : فاستقبل أنس بن النضر سعد بن معاذ سيد الأوس ، وكان ثبت مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم يوم أحد . قوله : ( الجنة ) ، بالنصب ، أي : أريد الجنة ، وبالرفع على تقدير هي مطلوبي . قوله : ( ورب النضر ) ، أراد به والده النضر ، قيل : يحتمل أن يريد به ابنه ، فإنه كان له ابن يسمى النضر ، وكان إذ ذاك صغيراً ، وفي رواية عبد الوهاب : فوالله ، وفي رواية عبد الله بن بكر عن حميد عند الحارث ابن أبي أسامة عنه : والذي نفسي بيده . قوله : ( ريحها ) ، أي : ريح الجنة . قوله : ( من دون أحد ) أي : عند أحد . قال ابن بطال وغيره : يحتمل أن يكون على الحقيقة ، وأنه وجد ريح الجنة حقيقة ، أو وجد ريحاً طيبة ذكره طيبها بطيب الجنة ، ويجوز أن يكون أراد أنه استحضر الجنة التي أعدت للشهيد ، فتصور أنها في ذلك الموضع الذي يقاتل فيه ، فيكون المعنى : إني لأعلم أن الجنة تكتسب في هذا الموضع فاشتاق لها . قوله : ( قال سعد : فما استطعت يا رسول الله ما صنع ) قال ابن بطال : يريد ما استطعت أن أصف ما صنع من كثرة ما أبلى في المشركين . قوله : ( فوجدنا به ) وفي رواية عبد الله بن بكر ، قال أنس : فوجدناه بين القتلى وبه . قوله : ( أو طعنة ) كلمة أو في الموضعين للتنويع . قوله : ( وقد مثل ) بتشديد الثاء المثلثة ، من المثلة وهو قطع الأعضاء من أنف وأذن وغيرهما . قوله : ( ببنانه ) البنان الإصبع ، وقيل : طرف الإصبع ، وهو الأشهر . ووقع في رواية محمد بن طلحة بالشك : ببنانه أو بشامته ، بالشين المعجمة والأولى أكثر ، والثانية أوجه . قوله : ( كنا نرى ) ، بضم النون وفتح الراء . قوله : ( أو نظن ) من الراوي وهما بمعنًى واحد . وفي رواية أحمد عن يزيد بن هارون عن حميد : فكنا نقول ، وفي رواية أحمد بن سنان عن يزيد : فكانوا يقولون ، والتردد فيه من حميد ، ووقع في رواية ثابت : وأنزلت هذه الآية بالجزم دون الشك . قوله : وقال : إن أخته ، أي : أخت أنس بن النضر ، وهي عمة أنس بن مالك . قوله : ( الربيع ) بضم الراء وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء آخر الحروف ، وقصة الربيع هذه مضت في كتاب الصلح في : باب الصلح في الدية . قوله : ( لأبره ) أي : لأبر قسمه ، وهو ضد الحنث . وفي هذا الحديث من الفوائد : جواز بذل النفس في الجهاد وفضل الوفاء بالعهد ولو شق على النفس حتى يصل إلى إهلاكها ، وإن طلب الشهادة لا يتناوله النهي عن الإلقاء إلى التهلكة . وفيه : فضيلة ظاهرة لأنس بن النضر ، وما كان عليه من صحة الإيمان وكثرة التوقي والتورع ، وقوة اليقين .